سلسلة ” استراتيجيات في تعلم الكتابة” (1)
غرض التلمذة في الكتابة
يقول الروائي والشعار والناقد الإنجلزيي “تشارلس مورجان”
أسلوب الكتابة قد لا يمكن تعلمه، أو تعلِمه، فلا يمكن أن يصبح أحد فنانا بالاجتهاد، ولكن أيضا لا يمكن أن يصبح أحد فنان ذا أثر دون أن يجتهد.
فصفة الفنان هبة من الإله يُمنحها الإنسان حين يولد، يزيدها الإنسان، أو ينقصها ساعة بعد ساعة.
واستمرار الموهبة كاستمرار المعجزات جميعا يتوقف على قدرة الإنسان وإرادته في تلقيها.
وهذه القدرة على التلقي تتوقف بدروها على تهيئة الفنان نفسه روحيا، فما نقصده من استراتيجية الكتابة ليس ما نعنيه عادة حين نتحدث عن عملية تكنيك الكتابة.
فالجانب التكنيكي من حياة الفنان يمكن تعلمه، ويمكن أن يصل بالمتعلم إلى مدى لا يعود تكنيكيا بالمعنى الضيق، بل يصبح درسا للاستراتيجية العظيمة في ممارسة الفن.
ويتم تعلم العناصر التكنيكية في فن الكتابة، واستراتيجيته العظيمة من خلال قرأة التاريخ والأدب والعلوم الإنسانية.
فكل من يستطيع أن يمسك قلما يجد نفسه حرا في أن يجلس مستبشرا بأنه سيكتب كتابا، قد يبدأون بالقول في تواضع أنهم لا يستطيعون الكتابة لكن هذا لا يمنعهم أن يملأوا خمسمئة صفحة.
إن فن الكتابة يبدو في كثير من الأذهان غير محتاج إلى تتلمذ على يد أساتذة، وسبب ذلك على ما أظن أن جميع الفنون الأخرى تستند إلى عملية جسمية يجب أن يتدرب عليه الصانع، لأن لها مواد، أو أدوات مادية يجب عليه أن يسيطر عليها، ولها في الكثير من الأحيان قواعد رياضية يجب أن يعرف كيف يطبقها.
أما فن الكتابة ليست له عناصر مادية، أو معادلات رياضية ولا قوانين للمنظور، أو التوافق، ولا سلالم تعزف، فليس في عملية تعلم الكتابة شيء يناظر رسم خطوط (تونكس المستقيمة ودوائره المتحدة المركز).
إن تلمذتنا غامضة إلى درجة خطرة نقترب من فهمها حين نحدد أولا ما غرض التلمذة في أي فن من الفنون، ثم نبحث بعد ذلك كيف يمكن أن يصل الكاتب إلى هذا الغرض.
والغرض من التملذة عام وليس خاص، فغاية الأستاذ العظيم هي أن يرفع عن تلميذه إصر العجز التكنيكي، وأن يمكنه من السيطرة على أدواته سيطرة تكون على الأقل جواز سفر للرحلات التي قد يطمح إليها، وإن لم تمده بالمال الذي يحتاج إليه في هذه الرحلات.
لا بد أن يفعل الأستاذ العظيم هذا أولا، ثم يتجاوزه فيمد تلميذه بمعرفة في تاريخ فنه، وفهم لحاله وحدودة، وخشوع أمام عجائب صنعه، كل تلك نواحي مشروعة من التلمذة، لأنها إقدرا للخيال وتنظيم له.
فالتتلمذ إذن إقدار سبيلة التنظيم، يتحقق في فن الكتابة، بأن يقوم الكاتب باختيار الكلمات وترتيبها.
تحرير ورؤية / رامي أبو راية


سلسلة ” استراتيجيات في تعلم الكتابة” (2)
يقول الروائي والشاعر والناقد الإنجليزي “تشارلس مورجان”
قد يكون على الكاتب أن يبدأ بدراسة العناصر الخاصة بفنه من قواعد النحو والنظم ومتن اللغة، فهم ذات أهمية كبيرة على أنني لا أعتقد أن الشاب الذي تخرج في المدرسة، وهوت نفسه الكتابة ينبغي أن يبدأ بدراسة منفصلة شكلية لها.
ولكن ما أعتقده حقا أن تدريب الأذن هو السبيل لضبط سائر عناصر تلمذة الكاتب، وليس معنى هذا أن أذنه تصيب دائما، أو أن يعرض عن النحو والنظم قائلا في كبرياء كما يقول الذين لا يعلمون:
(إنني لا أبالي بقواعدكم فأنا أكتب ما تستسيغه أذني)، إنما ما أزعمه هو إن لم تستقم أذنه فلن يستقم شيء فيه، ولذلك فإن تدريبه على سائر صناعته يتوقف على تدريب أذنه.
فسوف يساعده ذلك أن يكون له مرجع، وأن يعتمد في عقله سلطانا، ولا يجب أن نتحمس أن يكون هذا المرجع والسلطان هم كتابنا المعاصرين الذين نعجب بهم ونشعر بقربهم منّا، ونجلهم بسبب تأثيرهم الإيجابي فينا الذي قد ينتج عنه ازدهار في أحد نواحي حياتنا في لحظات الركود، أو العقم، لأن هذه الحماسات بذور، أو دوافع إذا جعلها المرء قانونه الأبدي فقد هلك.
إن هؤلاء الكتاب العظام لا يمكن أن يشرعوا لنا فهم أغصان وفروع حديثه، فإذا أردنا أن نكون أغصان وفروع مثلهم فيجب أن نتخذ سلطاننا من جذع الشجرة الخالدة التي تزهر أبدا.
والذي أثق به أن يكون جذع الشجرة الخالدة هو الكتاب المقدس (على حسب كل دين والكتاب المقدس لدى أتباعه) فهو جدير أن يكون سلطانا ومرجع للنحو والنظم والمتن والأذن.
هذا هو الأستاذ الأول الذي يجب أن يتجه إليه الكاتب، إذا قرأته وسمعته يقرأ بصوت عال يوما بعد يوم، فإن أذنك ستتعود على اللغة وحلاوتها حتى لتنفى الركاكة بسليقتها، وقد لا ينتج عن ذلك أن تكتب نثرا عظيما ولكنك على الأقل ستجمع زاد من اللغة، وستدرك أن أول مبادئ القصص هو الحركة، وأول مبادئ الوصف هو الوضوح، وأول مبادئ الدراما هو الصراع، وأول مبادئ الكشف هو الهجوم.
فمن الكتاب المقدس نستطيع أن نتعلم كيف نروي، وأين نبدأ وأين ننتهي، وكيف ننوع الآلات، وكيف نتوخى البساطة والتعبير المباشر، وهذه الأشياء هي عدة الكاتب.
وثمة سبب آخر وجيه لاتخاذ الكتاب المقدس أستاذا ومرجع، وهو كونه متدوال بين جموع الناس وهو ما لا يصدق بنفس الدرجة على أي كتاب آخر.
وبذلك تكون قد تقدمت بعض التقدم في تلمذتك.
تحرير ورؤية/ رامي أبو راية


سلسلة ” استراتيجيات في تعلم الكتابة” (3)
” على من نتتلمذ؟ “
يقول الروائي والشاعر والناقد الإنجليزي “تشارلس مورجان”.
من أجل أن نتعلم الكتابة علينا فعل شيئان ضروريان
أولا: تدريب النفس
ثانيا: دراسة الأساتذة الصالحين للدراسة بالطريقة الصحيحة.
إن الكتاب العظام من أصحاب الرؤى يفتحون عيوننا، إنهم يمكنون الفنان من أن يرى، ويبقون جذوته الأصلية حية فيه، ولكن إذا ما كان هؤلاء العظماء من النوع الحرون، أو كانت قدرتهم قائمة على صفة فريدة من الترتيل السحري وليس على الفضائل التي يمكن تعلمها، والمشاركة فيها، فلن تكون الاستفادة منهم كثيرة أو كبيرة في إزالة نواحي القصور في الصناعة عند من يتعلمون الكتابة، بل قد يزيد نواحي القصور لديهم.
والكتّاب أصحاب الأهواء أساتذة خطرون لهذا السبب نفسه.
فحتى الكاتب الناضج المتمكن من صناعته يعلم أن هناك كتبا يجب ألا يقرأها قبل أن يجلس للكتابة وقد تكون من أرفع الكتب، ولكنها بالنسبة إليه في تلك اللحظة مفرطة العنف، أو مفرطة التكلف، حادة المذاق، أو كثيرة العطور، فإذا كان المرء يقرأ مثل هذه الكتب فيجب عليه أن يتمهل قبل الكتابة حتى يذهب أثر الإيقاع من عقله والطعم من فمه، وليس معنى هذا انتقاصا من الإيقاع ولا من الطعم، ولكن معناه فقط أننا إذا أردنا أن نتعلم كيف نكتب فخير لنا أن ندرس أولئك الأساتذة الذين يتميز أسلوبهم بالبساطة فهذا مكمن فضيلتهم التي تتوقف إلى حد كبير على إحكام العبارة، ووضح التعبير، واستخدامهم للشكل ليس كوسيلة لتزيين ديباجتهم، أو لكي يسحروا ويبهروا قراءهم قبل كل شيء، بل يستخدمون الشكل كوسيلة لتوصيل رؤيتهم وإضائتها على أكمل وجه.
ليظل المبدأ دائما هو أن المعنى “ربةٌ” يخطب ودها ولا تغتصب، ولا يمكن كسبها بالألاعيب، بل يجب أن يخطب ودها بكل ما في اللغة من وسائل، وبالحرارة التي يحكمها الشكل.
فالمعنى لا يستسلم إلا للذين يتعلمون كيف يعرفونه ويتأتون إليه.
فإذا أدرنا أن نتعلم الكتابة فيجب أن نتطلع إلى الأساتذة ذوي الاستقامة الذين لم يكونوا حرونيين أو هوائيين.
تحرير ورؤية/ رامي أبو راية


سلسلة استراتيجيات في تعلم الكتاب (4)
يقول الروائي والشاعر والناقد الإنجليزي تشارلس مورجان.
أعتقد أن الكاتب الشاب ينبغي أن يتجنب في البدء فرط التخصص داخل حدود فنه، فيجب ألا يبدأ بأن يقول لنفسه:
(أنا طبيعي) أو (تلميذ فلان) أو ( أنا مرشح للعضوية في جماعة فلان، أو في ندوة علّان)، لأنه إن فعل ذلك كان قد حصر نفسه، والخاصة الجوهرية للتلمذة هي أن تكون حرة.
عليه إذن أن يدرب نفسه على جميع أنواع الكتابة، وأن يطلب القيود الخارجية والضغط الخارجي، أكثر من أن يتجنبها.
مثال: ضغط الصحف الكبرى بتحديداتها للحيز والوقت، ونهيها عن الإسراف في الذاتية، وتطلبها للوضوح، وما توحيه إلى أولئلك الذين تهبهم سلطانها من شعور بالمسئولية، تنظيم له قيمة لا تقدر، فإن المرء لا يكتب بتراخ أو تسامح مع نفسه إذا كانت آلات الطباعة تسمع في أذنيه، وإن المرء ليذهب كل ليلة يعزم على أن يكتب في حدود الوسيلة المختارة أحسن مما كتب في أي وقت قبلها، وهذا أكثر من نصف المعركة.
لكن حظ الارتباط بصحيفة كبيرة (أو موقع شهير) لا يتاح لكل كاتب شاب، فعليه إذن أن يحكم عنانه بنفسه، والعنان هو استعداده لئلا يكون (حرونا) بل يعمل في حدود الوسيلة المناسبة لموضوعه.
تحرير ورؤية/ رامي أبو راية.


سلسلة استراتيجيات في تعلم الكتابة (5)
يقول الروائي والشاعر والناقد الإنجليزي “تشارلس مورجان”.
سيجد الكاتب الشاب بعض التكنيكات المفيدة في عمله كله، لا في بداية حياته فقط بل حتى نهايته منها:
أن تقول: يجب ألا يبدو على أنني أقدم معلومات، ولذلك سأضمن الماضي في الحاضر بسلسلة من الإشارات، وإن تعرضت لخطر التشويش.
وهذه الطريقة يفضل أن تدرس عند الكاتب المسرحي “هنريك يوهان إبسن”، فهي طريقة تكاد تكون لازمة في المسرح حيث تتحتم المحافظة على تقدم الحدث المرئي.
أن تقول كما يقول الروائي الروسي “إيڤان سيرجييفيتش تورجينيف”، ولكن هذه رواية وليست مسرحية، فسأعود إلى الوراء وأخبر القارئ عن الشخصية الجديدة طلبا للوضوح والسرعة، وبعد ذلك أتقدم بسهولة أكبر.
وهنا سيلاحظ الكاتب الشاب الذي لا تخدعه بدعة الطريقة غير المباشرة، أن الطريقتين موجودتان، عليه أن يتدرب على كتابتهما ويختار بينهم.
إن مركز تعليمنا كله ولبه وجوهرة هو القدرة على التوصيل، وليس الوضوح بكل شيء، ولكنه الفضيلة التي إن عدمت لم تبق بعدها فضيلة.
وقد يفشل كاتب في موضوعات معنية أمام جماهير معينة لأنهم عاجزون عن تلقى ما يعطيهم، فالفشل إذن منهم لا منه، فيجب ألا ينزل بكتابه إلى مستواهم.
ولكن عليه أن يمتحن نفسه، فإن مواد اللغة عظيمة، فليستخدمها جميعا، وليكون واضحا، فليس مستحيلا على الكاتب العبقري أن يصف التجربة الصوفية بوضوح تام، ولكنه مستحيل حتى على العبقري الذي لا يهتم بأن يكون واضحا.
وكلما كان إلهما الفنان أسمى، وموضوعه أبعد وأعسر، كان عليه ألزم أن يزيل الأسلاك، لا أن يستغنى عن تعلم الكتابة، فهذا فعل الأشخاص الصغار الذين ليس لديهم ما يقولونه.
كتابة وتحرير/ رامي أبو راية


سلسلة استراتيجيات في تعلم الكتابة (6)
يقول الروائي والشاعر والناقد الإنلجيزي “تشارلس مورجان”.
سيجد الكاتب الشاب بعض التكنيكات المفيدة في عمله كله، لا في بداية حياته فقط بل حتى نهايته منها:
هذه القطعة ستكون بهذا الطول، ولن تتجاوزه، ثم يتعمد أن يكتب أكثر ربما بمقدار عشرين في المائة، ثم يقوم بالحذف، ولا أقصد أن يحذف قطعا كبيرة، بل أن يحذف جملا وعبارات وكلمات، حتى يصبح نثرة بتعبير الرياضيين، (خاليا من الزوائد) صالحا للدخول في الحلبة، وهذا عكس طريقة الروائي الفرنسي “أونوريه دي بلزاك” الذي كان يستوفي الموضوع كله باختصار، ثم يعلى البناء، ويملأ جوانبه في الهوامش العريضة لتجارب الطبع المتعددة.
ستكون علميه الإضمار والحذف مؤلمة، ولكنها ستعلم الكاتب شيئين:
– الأول: ستعلمه هذا الدرس التكتيكي في تخليص نثرة من اللحمة الزائد.
– الثاني: ستعلمه على الأقل جزءا من ذلك الدرس الاستراتيجي العظيم في إحكام التقدير للعلاقة الحقيقة بين الموضوع والطريقة.
فيسأل نفسه بعض الأسئلة: هل القصة التي أفكر فيها يلزم أن تضغط مثل قصة فلان؟
وهناك وجهة نظر أخرى لكاتب أقل حرصا على الأسلوب تطرح سؤالا مغايرا:
ويجب التوفيق بين وجهتي النظر
– القصة التي تبحث عن طريقتها.
– والأسلوب الذي يبحث عن قصته.
وعندما يكتب كاتب عظيم كتابا رديئا فإن السبب يرجع في جل الأحيان إلى أنه اختار موضوعا لا يلائمه، وإن كان في نفسه جيدا.
والكتّاب الأقل إجادة يقعون في هذه الغلطة نفسها، فعلينا أن نتعلم ألا نقع فيها، وأنا أميل إلى الظن بأن العملية الأولية في الإطالة ثم الحذف هي خطوة أولى نحو الملاءمة الصحيحة بين الموضوع والطريقة.
تحرير/ رامي أبو راية.


سلسلة استراتيجيات في تعلم الكتابة (7)
يقول الروائي والشاعر والناقد الإنجليزي “تشارلس مورجان”.
إن الجملة الأولى عظيمة الأهمية في الكتابة، ولا سيما إذا كان تعليقا يكتب على صوت دقات الساعة، فهي تحدد نبرة الباقي وتضبط بناءه، وهذا مبدأ صحيح في الكتابة كلها.
تأمل الرواية، ورسم الشخصيات داخل الرواية، فكل رواية، وحياة كل شخصية يمكن أن يمثلا بأنهما يبدآن من (الألف) إلى (الياء)
وكل من يدرس الاسترجاع الضخم في افتتاح رواية (البحيرة) “لجورج مور” يلاحظ كم الدخول المتأخر، وعلى كل منّا أن يقرر أي نوع من المخاطر سيتقبل، وسيكون اختياره نابعا لطبيعة قصته، ولمعرفته بنواحي ضعفه وقوته المبنية على نقده لنفسه.
إن صعوبه هذا الاختيار لشديد بل هي أشد من صعوبة الاخيتار بين القصص بضمير المتكلم، والقصص بضمير الغائب محدودا بنظرة شخصيةواحدة، والقصص بضمير الغائب يسمح المؤلف لنفسه فيه بنظرة الآله الخالدين في شمولها لكل شيء ونفاذها إلى كل شيء.
ولكن الشيء المحقق أن هذه الأنواع من الاختيار إن أصابت أحيانا بإلهام العبقرية غير الواعي بنفسه، فإنها عادة ما تقع خاطئة بسبب العقل الغير مجرب.
تحرير/ رامي أبو راية

